ابن الجوزي
53
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
عن المنبر مغشيا عليه ، فاحتمل فأدخل داره ، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر ، فإنّهم كانوا يراسلونهم : محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ، وعمار بن ياسر ، وشمر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك ، وأبو هريرة ، وزيد بن ثابت ، والحسن بن علي بن أبي طالب ، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا . ودخل علي وطلحة والزبير على عثمان يعودونه من صرعته ، فصلَّى بهم عثمان بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم منعوه الصلاة ، فصلَّى بالناس أميرهم الغافقي ، دان له المصريون والكوفيون والبصريون ، وتفرق أهل المدينة إلى حيطانهم ، ولزموا بيوتهم ، لا يخرج أحد ، ولا يجلس أحد إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم ، وكان الحصار أربعين يوما ، وفيها كان القتل ، ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح ، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون عن الناس ، ويحتملون منهم الكلام . ولما رأى زيد وزياد وعمر والأصم أن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع عثمان ، / وأنهم 18 / ب لا يجيئونهم رجعوا من بين أهل الكوفة ، وأعاد عثمان الكتاب إلى الأمراء : إن أمر هؤلاء قد بان ، وأنهم جاولوا الإسلام ، ومنعوا الصلاة ، وحالوا بيني وبين المسجد ، ولما لم يجدوا خرجا ، قالوا : لا نرضى إلا بأن يعتزلنا ، فأدركوا الفتنة قبل تدفقها ، فحرض العمال أهل بلادهم ، وجاء سعد ، وزيد ، وأبو هريرة للقتال ، فقال عثمان : إن كنتم ترون الطاعة ، فاغمدوا أسيافكم وانصرفوا . وجاء كثير بن الصلت ، فقال لعثمان : لو أريت الناس وجهك ، فقد انكسر الناس ، فقال : يا كثير ، رأيتني البارحة وكأني دخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال : قد صبرت فلن يدركك المسلمون حتى تقتل ، فارجع فإنك مفطر عندي يوم كذا وكذا ، ولن تغيب الشمس والله يوم كذا وكذا ، إلا وأنا من أهل الآخرة ، فقالوا : نستقيل ، فقال : اخرجوا عني . ولما رأى القوم أن الناس قد ثابوا إلى عثمان وضعوا على عليّ بن أبي طالب رقيبا في نفر فلازمه ، ورقيبه خالد بن ملجم ، وعلى طلحة رقيبا فلازمه ، ورقيبه سودان بن حمران ، وعلى الزبير رقيبا فلازمه ، ورقيبه قتيرة وعلى نفر بالمدينة ، وقالوا لهم : إن تحركوا فاقتلوهم ، فلما لم يستطع هؤلاء النفر غشيان عثمان بعثوا أبناءهم إلى عثمان ،